حكم تاريخي يكشف أزمة مهملة.. هولندا تمنع إعادة المهاجرين العازبين إلى بلجيكا
حكم تاريخي يكشف أزمة مهملة.. هولندا تمنع إعادة المهاجرين العازبين إلى بلجيكا
كشفت أعلى هيئة قضائية في هولندا عن حجم الإهمال المتواصل الذي يتعرض له طالبو اللجوء من الرجال العازبين في بلجيكا، بعدما أصدرت قرارًا تاريخيًا يمنع إعادتهم إلى بلجيكا بموجب اتفاقية دبلن، بسبب حرمانهم الممنهج من حقوقهم الأساسية في السكن والرعاية.
وضع القرار الصادر عن "مجلس الدولة الهولندي" حدًا لممارسات كانت تتم بصورة روتينية بين دول الاتحاد الأوروبي بموجب لائحة دبلن، التي تنص على إعادة طالب اللجوء إلى أول دولة أوروبية دخلها، إلا أن المجلس اعتبر أن بلجيكا فشلت بشكل صارخ في تأمين الحماية الأساسية لهؤلاء الرجال، ما يجعل إرجاعهم إليها بمثابة تعريضهم لخطر المعاملة اللاإنسانية، بحسب ما ذكر موقع "مهاجر نيوز"، الثلاثاء.
وانتقد القرار القضائي البلجيكيين بشدة، بعدما اعتمدت الحكومة البلجيكية سياسة تقضي بعدم استقبال الرجال العازبين من طالبي اللجوء، بحجة إعطاء الأولوية للعائلات والأطفال.
وأدان القرار ما وصفه بـ"التمييز الجندري المتعمد"، معتبرًا أن الدولة البلجيكية لم تكتفِ بالإخفاق في واجباتها الإنسانية، بل مارست "سياسة تمييزية ممنهجة" تجاه فئة بعينها، محرومة من أبسط حقوق اللجوء.
وثّقت منظمات حقوقية، من بينها "الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان"، أن المئات من هؤلاء الرجال يعيشون في الشوارع البلجيكية، أو في مراكز طوارئ غير مجهزة، دون إمكانية للطعن القانوني أو ضمان للحد الأدنى من الرعاية.
تعليق التنفيذ لحماية الكرامة
رفض مجلس الدولة الهولندي ترحيل طالبي اللجوء إلى بلجيكا في الوقت الحالي، مشيرًا إلى أن الوضع هناك "لا يستوفي المعايير الأوروبية الدنيا لاستقبال طالبي اللجوء".
استند القرار إلى سوابق قانونية صادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، التي شددت في أكثر من مناسبة على أن غياب المأوى والرعاية الطبية الأساسية يُعد انتهاكًا للحق في الكرامة الإنسانية.
واعتبر المجلس أن بلجيكا تخلت بشكل ممنهج عن مسؤولياتها، وهو ما يُشكل خرقًا للمواد الأساسية في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، خاصة المادة الثالثة التي تحظر المعاملة اللاإنسانية والمهينة.
أزمة أوروبية أوسع
سلّط القرار الضوء أيضًا على الفشل الأوروبي الجماعي في تطبيق "نظام دبلن" بعدالة، في ظل تفاوت كبير في معايير الاستقبال بين دول الاتحاد الأوروبي.
أشارت منظمات إنسانية إلى أن قرار هولندا قد يشكل بداية لانهيار الثقة بين الدول الأعضاء، ما لم تُتخذ إجراءات جماعية لإصلاح النظام الأوروبي للجوء، وضمان معاملة إنسانية متساوية لجميع طالبي الحماية.
ونبّهت مؤسسات أوروبية، من بينها "المفوضية الأوروبية"، إلى أن استمرار هذا النوع من التمييز من شأنه أن يضرب أسس التضامن بين الدول الأعضاء، ويعرض حياة الآلاف من الأشخاص للخطر، لا لشيء إلا لأنهم لا يملكون أطفالًا أو أسرًا.
نظرة نمطية داخل أوروبا
حذّرت تقارير منظمات حقوق الإنسان من أن هذه الفئة بالذات تتعرض إلى نظرة نمطية داخل أوروبا، إذ يُنظر إلى الرجال غير المصحوبين باعتبارهم "أقل ضعفًا"، ما يبرر تهميشهم وتجميد ملفاتهم.
وأوضحت تقارير "هيومن رايتس ووتش" و"المجلس الأوروبي للاجئين والمنفيين" أن هذا التصنيف غير القانوني لا يستند إلى معايير حقوقية، بل إلى سياسات قائمة على التسويف والتمييز، ما أدى إلى بروز شريحة مهمّشة من طالبي اللجوء الذين يعيشون في الظل، دون حماية قانونية أو اجتماعية.
وكشف القرار الهولندي ليس فقط تقاعس بلجيكا، بل عجز النظام الأوروبي ككل عن ضمان معاملة عادلة وإنسانية لجميع طالبي اللجوء.
وأعاد القرار الاعتبار إلى الرجال العازبين كضحايا يستحقون الحماية والاحترام، وليسوا مجرد أرقام أو ملفات مؤجلة في دواليب البيروقراطية الأوروبية.
وبينما يفتح هذا القرار نافذة أمل مؤقتة، يبقى مصير آلاف الرجال العازبين معلقًا بين أنظمة تستثنيهم، وسياسات تميز ضدهم، وأوروبا تواصل التهرب من مسؤولياتها الأخلاقية والإنسانية.